الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

296

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )

ولعلّه قدس سره أخذه من كلام صاحب « الجواهر » أعلى اللَّه مقامه الشريف ، حيث ذكر في أمثلة السفر المحرّم ، خروج المرأة إلى السفر نشوزاً « 1 » ، هذا . ولكنّ الإنصاف مع ذلك كلّه : أنّ حمل جميع الروايات السابقة على عنوان « النشوز » وخروجها بقصد عدم الرجوع ، مشكل جدّاً ، فراجع الروايات السابقة . وهناك احتمال آخر ؛ وهو أن يقال : إنّ هذا إنّما هو في الظروف التي كان خروجها سبباً للفتنة والفساد ، كما كان في أوائل البعثة وصدر الإسلام ؛ بسبب بقاء بعض النزاعات الجاهلية ، حتّى أنّ بعض المسلمين الذين كانوا حديثي العهد بالإسلام ، يكرهون فتياتهم على البغاء ؛ لابتغاء عروض الدنيا ، فنهاهم اللَّه تعالى عن ذلك ، وقال : وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » . وكان جماعة من الفسّاق يؤذون النساء المؤمنات ؛ حتّى نزلت آية الحجاب ، وذكر في حكمته أنّ ذلك كان سبباً لمعرفتهنّ ، وعدم كونهنّ من الإماء ، فلا يؤذين ، فقال تبارك وتعالى : يَا أَيُّهَا الْنَّبِىُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ . . . « 3 » . ثمّ أوعد المرجفين والذين في قلوبهم مرض بالإبعاد والقتل ، وخروج النساء بدون إذن الأزواج في هذه الظروف ، كان مظنّة لبعض المفاسد . ولكنّ الإنصاف : أنّ حمل جميع أخبار الباب على هذا ، أيضاً لا يخلو من إشكال ، فالحكم بالحرمة أحوط ؛ لو لم يكن أقوى . ولكن يستثنى منه أمور : الأوّل : ما تتوقّف عليه حاجيات المرأة وضروريات حياتها ؛ ممّا لا يمكن الوصول

--> ( 1 ) . جواهر الكلام 14 : 258 . ( 2 ) . النور ( 24 ) : 33 . ( 3 ) . الأحزاب ( 33 ) : 59 .